في 30 يونيو 1956، اصطدمت طائرتان تجاريتان فوق سماء “جراند كانيون” لتسقطا 128 قتيلاً في أول مأساة طيران مدني تتجاوز حاجز المئة ضحية. الحادث الذي دمر طائرة لشركة “تي دبليو إيه” (TWA) وأخرى لشركة “يونايتد إيرلاينز” (United Airlines)، لم يكن مجرد تصادم مميت في منطقة عمياء، بل شرارة التغيير التاريخية التي أنهت حقبة الاعتماد على “الرؤية البصرية” للطيارين، وأسست لأنظمة الرادار الحديثة التي تحمي المسافرين اليوم.
الدقائق الأخيرة في سماء الوادي
في تمام الساعة 10:30 صباحًا، حلقت طائرة “لوكهيد سوبر كونستيليشن” التابعة لشركة TWA وعلى متنها 70 شخصًا، بموازاة طائرة “دوغلاس دي سي-7” لشركة يونايتد إيرلاينز التي حملت 58 راكبًا. تواجدت الطائرتان في مجال جوي غير خاضع للرقابة الصارمة، حيث اعتمدت الملاحة على مبدأ “انظر وشاهد”.
كان قائد طائرة TWA قد طلب الإذن بالارتفاع من 18 إلى 21 ألف قدم، لكن برج المراقبة رفض الطلب لتقارب المسافة مع طائرة يونايتد إيرلاينز، واكتفى بالسماح له بالتحليق على ارتفاع 1000 قدم فوق السحب. في الوقت ذاته، لم يتواصل المراقبون إطلاقاً مع قائد طائرة يونايتد إيرلاينز لأن القوانين حينها لم تكن تلزمهم بذلك.
تشير السجلات إلى أن قائدي الطائرتين انحرفا شمالًا عن مسارهما، في خطوة يُعتقد أنها هدفت لمنح الركاب إطلالة سياحية على الوادي العظيم. ومع وجود سحب ركامية كثيفة بلغ ارتفاعها 25 ألف قدم، دخلت الطائرتان في زاوية رؤية عمياء قاتلة.
دمار شامل بسرعة 770 كيلومتراً
ضرب الجناح الأيسر لطائرة يونايتد إيرلاينز قمة الذيل العمودي لطائرة TWA، ما أدى إلى انفصاله بالكامل. فقدت طائرة TWA السيطرة فورًا، وهوت في انحدار شبه عمودي لتصطدم بمنطقة “تيمبل بوت” بسرعة قُدرت بنحو 770 كيلومترًا في الساعة (480 ميلاً)، وتتفتت كلياً لحظة الارتطام.
في المقابل، تمزق جناح طائرة يونايتد إيرلاينز، وفقد محركها الأول القدرة على توليد الرفع، لتدخل في دوامة سقوط سريعة وتتحطم على الجرف الجنوبي لمنطقة “تشاور بوت”، ما أسفر عن مقتل جميع الركاب على الفور.
لغز البحث وجثامين بلا هوية
لم تكتشف أبراج المراقبة تصادم جراند كانيون 1956 فور وقوعه لغياب أنظمة التتبع الراداري. أُعلن فقدان الطائرتين فقط بعد انقطاع تقاريرهما اللاسلكية المجدولة. وفي وقت لاحق، قادت الصدفة الأخوين هنري وبالين هودجين، وهما مشغلا خدمة طيران محلي، لاكتشاف الدخان وإبلاغ السلطات بموقع الحطام.
استخدمت المروحيات لانتشال الرفات بسبب وعورة التضاريس. وفي حقبة ما قبل اختبارات الحمض النووي (DNA)، تمكنت السلطات من تحديد هوية 3 ركاب فقط. أُقيمت جنازة جماعية لـ 66 ضحية من طائرة TWA في 9 يوليو بمدينة فلاغستاف في أريزونا، بينما دُفن 29 ضحية مجهولة الهوية من طائرة يونايتد إيرلاينز في نصب تذكاري داخل الحديقة الوطنية.
كيف غيّرت الكارثة قوانين الطيران؟
أثارت المأساة صدمة قومية داخل الولايات المتحدة، وكشفت عن ثغرات قاتلة في نظام المراقبة الجوية. خلص تحقيق مجلس الملاحة الجوية المدنية (CAB) إلى أن السحب المتداخلة والقيود البصرية لقمرة القيادة كانت السبب المباشر للتصادم.
أجبر هذا الحادث الكونغرس الأمريكي على التحرك الفوري عام 1957، وأسفر عن تغييرات تاريخية شملت:
تأسيس وكالات متخصصة: إنشاء إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) والمجلس الوطني لسلامة النقل (NTSB).
إلغاء الملاحة البصرية: منع الطائرات التجارية من الاعتماد على الطيران المرئي البحت في تقييم المسافات.
إلزامية الرادار: فرض أنظمة التتبع الراداري والمراقبة الأرضية الصارمة على جميع الرحلات التجارية.
