تبخرت روائية الجريمة “أغاثا كريستي” لـ 11 يوماً وعادت فاقدة للذاكرة، بينما وُجد “إدغار آلان بو” يهذي بملابس رجل غريب في الشارع، في حين ابتلع المجهول مؤلف “12 عاماً من العبودية” دون أثر. هكذا تحولت حياة 5 من أشهر الكتاب العالميين إلى ألغاز مفتوحة، بعدما سجل التاريخ حوادث اختفاء غامضة لهم، لم تنجح التحقيقات الرسمية ولا النظريات في فك طلاسمها حتى اليوم.
وراء إرثهم الأدبي الضخم، تشارك هؤلاء الكتاب في نهاية تكتنفها الأسرار المظلمة؛ فمنهم من عاد ليصمت للأبد، ومنهم من لا تزال ملفات اختفائه مفتوحة.
أغاثا كريستي.. 11 يوماً من الفراغ التام
في عام 1926، عاشت بريطانيا حالة استنفار للبحث عن روائية الجريمة الأشهر “أغاثا كريستي”. إثر شجار عنيف مع زوجها، قادت سيارتها نحو الظلام واختفت تماماً. عثرت الشرطة على سيارتها مهجورة دون أي أدلة تدل على مكانها.
بعد 11 يومًا من البحث المكثف الذي شارك فيه الكثيرون، ظهرت فجأة في منتجع صحي متخفية تحت اسم مستعار. وعندما استلمها زوجها، زاعمت فقدانها التام للذاكرة حيال ما حدث. وتجادل المحللون حول ثلاث نظريات:
حادث سير: أدى إلى فقدانها الذاكرة.
انهيار عصبي: بسبب صدمتها من خيانة زوجها (الذي سارعت بطلاقه لاحقاً).
حيلة دعائية: بهدف الترويج لنفسها وزيادة مبيعاتها مستغلة التغطية الصحفية الكثيفة. رغم ذلك، واصلت كريستي كتابة رواياتها الأكثر مبيعاً، ولم تتحدث أو تعترف علناً بما حدث في تلك الأيام قط.
إدغار آلان بو.. أسبوع الجحيم والموت الغامض
لم تكن حياة “إدغار آلان بو” أقل سوداوية من قصائده. في اللحظة التي بدأت فيها حياته تستقر، وكان على وشك الزواج بحبه الأول، اختفى الكاتب الأمريكي أسبوعاً كاملاً خلال رحلة مفترضة من ريتشموند إلى فيلادلفيا ثم نيويورك، لكنه لم يتجاوز بالتيمور.
انتهى اللغز بالعثور عليه خارج إحدى الحانات في حالة هذيان مرعب، مرتدياً ملابس لا تخصه. نُقل فوراً إلى غرفة بلا نوافذ في مستشفى “واشنطن كوليدج” تحت إشراف طبيب واحد، ليفارق الحياة بعد أسبوع.
سُجل سبب الوفاة رسمياً كاحتقان في الدماغ (مصطلح كان يُشير حينها لجرعة زائدة من الكحول أو المخدرات)، ولم يُجرَ أي تشريح للجثة. وتعددت النظريات حول موته لتشمل:
تسمم بالمعادن الثقيلة أو تعرضه للضرب المبرح.
إصابته بداء الكلب، مما يفسر هذيانه ورفضه شرب الماء.
مضاعفات إنفلونزا حادة تطورت لالتهاب رئوي، خاصة أن خطيبته وطبيبه أكدا أنه كان مريضاً جداً قبل سفره.
مؤامرة من أعدائه لتشويه صورته كمدمن، رغم أنه كان قد تعهد بالرصانة وانضم لجمعية مكافحة الكحوليات قبل الحادثة بأشهر.
سليمان نورثوب.. نهاية حرة في قيود المجهول
عرف العالم “سليمان نورثوب” من خلال مذكراته المدوية “12 عاماً من العبودية”. وُلد حراً في نيويورك عام 1807 وعمل عازف كمان محترف، قبل أن يُختطف ويُباع كعبد. ولم ينل حريته مجدداً إلا بعد أن قدمت عائلته وثائق تثبت حريته.
تحول نورثوب إلى شخصية عامة بارزة وداعمة لحركة إلغاء العبودية. لكن المأساة عادت لتضربه؛ فخلال جولة لإلقاء محاضرات في كندا، اختفى إلى الأبد. انقسمت التفسيرات بين سقوطه ضحية للتشرد والإدمان بعدما أفسدته الشهرة، وبين نظرية مرعبة ترجح اختطافه وبيعه مجدداً كعبد، رغم استبعاد المؤرخين للأخيرة بسبب تقدمه في السن حينها.
باربرا نيوهال فوليت.. اختفاء يطابق الرواية
لفتت “باربرا نيوهال فوليت” الأنظار كطفلة معجزة بنشر روايتها الأولى “المنزل بلا نوافذ” عام 1927 وهي في الثانية عشرة، ثم روايتها الثانية في الرابعة عشرة. لكن العبقرية المبكرة تحطمت بانهيار عائلتها ماليًا إثر هجر والدها لهم.
تخلت فوليت عن مسيرتها الأدبية بعد مخطوطتين لم تُنشرا، وتزوجت من “نيكرسون روجرز” وعملت كسكرتيرة. وفي عام 1939، وبسبب زواجها المضطرب، غادرت المنزل ولم تعد قط. فرغم جهود والدتها المضنية لسنوات، لم يُعثر على جثتها ولم تظهر أي أدلة جنائية. المثير للدهشة أن اختفاءها طابق تماماً حبكة روايتها الأولى: فتاة شابة تقرر الهرب من منزلها والذوبان في الطبيعة.
كوني كونفيرس.. رسائل يائسة ورحلة بلا عودة
رغم تصنيفها اليوم كرائدة لموسيقى “المغني والمؤلف”، لم تذق “كوني كونفيرس” طعم النجاح قط في حياتها. بعد فشل محاولاتها لاختراق المشهد الفني في نيويورك خلال الخمسينيات، استسلمت وانتقلت إلى ميشيغان.
بحلول عام 1974، التهمها اكتئاب حاد. تركت رسائل يائسة لعائلتها تعبر فيها عن رغبتها في الاختفاء وبدء حياة جديدة، ثم استقلت سيارتها من طراز “فولكس فاجن بيتل” وانطلقت مبتعدة. لم يُعثر عليها أبداً، ويبقى مصيرها مجهولاً: هل أنهت حياتها؟ أم أنها تعيش بهوية جديدة في مكان ما، غير مدركة للانفجار الهائل في شعبيتها ومبيعات أعمالها الذي حدث في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؟
