في مشهد يحبس الأنفاس على ضفاف نهر ماجدالينا في كولومبيا، وثق صيادون محليون لحظة العثور على كائن صغير يتيم يصارع الموت بين الأدغال. لم تكن هذه مجرد عملية إنقاذ لحيوان ضال، بل فصلاً جديداً ومأساوياً من قصة إرث حي تركه أخطر إمبراطور مخدرات في التاريخ، ليرعب بلداً بأكمله.
بدأت القصة عندما لمح صيادون حركة غريبة بين الشجيرات الكثيفة في منطقة بويرتو ناري الريفية النائية. وعند الاقتراب، تفاجأوا بوجود رضيع “فرس نهر” لا يتجاوز عمره أياماً معدودة، معزولاً تماماً عن والدته وقطيعه.
كان الصغير في حالة حرجة للغاية. كشفت الفحوصات الطبية السريعة أنه يعاني من جفاف حاد، وسوء تغذية متقدم، واضطراب خطير في الجهاز الهضمي. على الفور، أطلقت السلطات البيئية الإقليمية جهوداً مكثفة لإنقاذه، ونقلته إلى محمية خاصة في العزبة التي كانت يوماً ما المقر الأسطوري لـ “بابلو إسكوبار”.
لكن كيف وصل فرس نهر أفريقي إلى غابات أمريكا الجنوبية؟ تعود جذور الأزمة إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما استورد إسكوبار أربعة من أفراس النهر بطريقة غير شرعية لضمها إلى حديقته الخاصة. وبعد رحيله، هربت هذه الحيوانات واستوطنت الأنهار، لتتكاثر بعيداً عن أي مفترس طبيعي.
ورغم الجهود المضنية التي بذلها الأطباء البيطريون لإنعاش الرضيع، إلا أن جسده الهزيل لم يتحمل العلاج، ليفارق الحياة ويترك وراءه جرس إنذار مرعب. فهذا الصغير هو جزء من جيش متزايد يضم اليوم نحو مئتي “فرس نهر”، يُعرفون إعلامياً بـ “أفراس نهر الكوكايين”، ويشكلون أكبر مستعمرة لهذه الكائنات خارج أفريقيا.
اليوم، تحول هذا الإرث الحي إلى كابوس بيئي يهدد النظام الحيوي في كولومبيا. فهذه الكائنات الضخمة تدمر المحاصيل، وتقضي على الأسماك، وتسمم الأنهار بفضلاتها، مما يهدد بقاء الكائنات المحلية كخراف البحر والسلاحف. وبينما تدرس الحكومة خططاً بملايين الدولارات لترحيلها، يبقى هذا القطيع المتوحش شاهداً حياً على الفوضى التي خلفها رجل واحد.
