تخيل أن تذهب لاحتساء مشروب في مكان قريب، لتستيقظ في اليوم التالي وأنت مقيد على متن سفينة تجارية في عرض المحيط، مجبراً على العمل الشاق لسنوات دون أجر أو أمل في العودة. هذا ليس مشهداً من فيلم سينمائي، بل كابوس حقيقي عاشه آلاف الرجال، وكشفت وثائق تاريخية تفاصيله ليُسجل كواحدة من أبشع الجرائم المنسية.
بدأت القصة في منتصف القرن التاسع عشر، تزامناً مع حمى البحث عن الذهب في كاليفورنيا. هجر آلاف البحارة سفنهم للبحث عن الثراء السريع في المناجم، ما ترك قبطانة السفن التجارية في أزمة خانقة. وهنا، ظهرت عصابات منظمة لا تعرف الرحمة، عُرفت تاريخياً باسم “الشانغهاي” (Shanghaiing). كان هدفهم الوحيد توفير أجساد بشرية بأي ثمن، وبيعها لربابنة السفن مقابل مبالغ ضخمة عُرفت آنذاك بـ “أموال الدم”.
لم تكن طرق الخطف تقليدية على الإطلاق. أحد أشهر هؤلاء المجرمين، جيمس كيلي، ابتكر فخاً شيطانياً لا يخطر على بال. استأجر باخرة ضخمة ووجه دعوة عامة لمئات الرجال لحضور “حفلة عيد ميلاده” المجانية. وما إن بدأت الاحتفالات في عرض البحر، حتى قدم لهم مشروبات ممزوجة بالأفيون المخدر. النتيجة؟ سلم كيلي نحو مئة رجل غائبين عن الوعي لثلاث سفن كانت تنتظرهم في الظلام، وعاد إلى الميناء بريئاً دون أن يلاحظ أحد اختفاءهم.
لكن التطور الأبشع في هذه التجارة، وثقته سجلات مدينة بورتلاند على يد مجرم آخر يُدعى جوزيف “بانكو” كيلي. في عام 1893، عثر بانكو على 22 رجلاً في قبو مفتوح، شربوا بالخطأ سائلاً اعتقدوا أنه كحول، لكنه كان في الواقع “سائل تحنيط” مسروق من مشرحة قريبة. لم يتردد بانكو لحظة؛ جمع الرجال الذين كانوا يلفظون أنفاسهم الأخيرة، وباعهم لقبطان سفينة كبحارة مخمورين نائمين. أبحرت السفينة، ليكتشف القبطان لاحقاً في عرض البحر أنه اشترى 22 جثة!
استمرت هذه التجارة المرعبة تحصد مصائر الرجال لعقود طويلة. ولم تنتهِ هذه الكوابيس إلا مع ظهور السفن البخارية التي قللت الحاجة للعمالة اليدوية الكثيفة، وتمرير “قانون البحارة” الأمريكي عام 1915 الذي جرّم هذا الفعل الفظيع، لينهي أخيراً حقبة مظلمة تحول فيها البشر إلى مجرد بضاعة تُباع في قاع السفن.
